من أمير المؤمنين هارون الرشيد ، إلى نقفور كلب الروم

كتبهاlakhdar zenzoula ، في 11 ديسمبر 2007 الساعة: 18:55 م

بسم الله الرحمن الرحيم

من أمير المؤمنين هارون الرشيد ، إلى نقفور كلب الروم:( قد (وصلني كتابك ، والجواب ما تراه لا ما تسمعه
رسالة مقتضبة ، قليلة حروفها ، عظيم ما جاء بعدها.

الرسالة تلك كانت جوابًا على رسالة ملك الروم نقفور ، الذي ما إن ولي إمرة الأريسيين ، حتى أرسل إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد رحمه الله مانعًا الجزية ، طالبًا ما دفعه سلفه للمسلمين. فكان ذلك الجواب ، وكانت تلك الموقعة ، وكان النصر للمسلمين بحول الله تعالى.

وفي هذا الزمان ، بعث شاعرٌ برسالة إلى مخترع عقار الفياقرا ، يرجوه فيها صنع عقار يعيد لأمتنا الرجولة. فشتان بين عزِّ المسلمين زمن خلافة الرشيد ، وبين حالهم هذا الزمان. والحمد لله على كل حال.

ومن أتون الذلة ورمضاء الهوان ، خرجت عقول تنادت للنهوض بحال المسلمين والعودة بهم إلى سالف أمجادهم ، وقديم عزهم. فكان من بين دعواتهم أن يجتمع المسلمون ويكونوا يدًا واحدة. والدعوة إلى وحدة الصف ، والاجتماع ، ونبذ الفرقة ، خيرٌ دعا إليه الله سبحانه بقوله: {واعتمصوا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} ، وامتدحه جل وعلا إذ جعله من صفات المؤمنين بقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. وذم جل وعلا الفرقة والافتراق في مواطن كثيرة في كتابه العزيز ، فقال سبحانه: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض} ، فجعلها سبحانه وتعالى في معرض ذم ، ونص على أنها عذاب من عنده جل وعلا.

وبيَّن سبحانه سبيل الجماعة ، فقال: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} ، ففي هذه الآية حثٌّ على لزوم الجماعة ، وذلك بقوله عز وجل:{فاتبعوه} ، وفيها بيانٌ لسبب الافتراق ، وهذا بقوله سبحانه: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}. أما السبل فهي التي خطها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال: (كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطًا هكذا أمامه ، فقال هذا سبيل الله عز وجل ، وخطين عن يمينه ، وخطين عن شماله ، قال: هذه سبيل الشيطان ، ثم وضع يده في الخط الأسود ثم تلا هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}). فكل من شذَّ عن الصراط المستقيم ، متبع لسبيل من تلك السبل ، مطيع للشيطان ، عاصٍ للرحمن تعالى.

وما تنادت تلك العقول لمثل هذه الدعوة إلا ليرتفع عن الأمة الهوان والذلة. وما تنادت إلا طمعًا في نصرٍ وسبق. {وما النصر إلا من عند الله} ، وإنما ينصر الله من ينصره ، قال تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} ، وقال سبحانه: {ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز}. ونصرة الله جل وعلا كما قال السعدي والقرطبي وغيرهما تكون بنصرة دينه ، ورسوله ، والإخلاص له في ذلك. وقد ينصر الله ذليلاً ضعيف العدد ، قليل العدة ، كما نصر الله عز وجل عباده المؤمنين في بدر ، قال سبحانه: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}. وقد يُحرم النصر العدد الكثير ذو العتاد والعدة ، كما امتحن الله عباده في حنين ، وكذلك كما نصر الله جنده المؤمنين وهم قلة على جحافل الكفر في مواطن كثيرة ، قال جل وعلا: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين}. فالنصر من عند الله ، والعزة والتمكين والملك ، إنما يهبها الله لمن يشاء من عباده ، قال عز وجل: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيءٍ قدير}.

وقد كان المسلمون زمن النبي صلى الله عليه وسلم يدًا واحدة ، وجماعة متكاتفة ، ومكثوا كذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حينا. ثم بدأ الافتراق في الأمة ، وظهر المارقون ، واندس في المسلمين من ليس منهم. وأُدخلت على المسلمين بعض علوم الأعاجم كالفلسفة ونحوها ، فخرجت فئام من الناس بأقوال منكرة محدثة ، تتناول غيبيات مغيَّبة ، لا تدركها العقول ، ولا تحيط بها الأفهام ؛ فحصل الافتراق في العقائد ، وخرجت ببعض الأقوال بعض تلك الفئات من ربقة الإسلام ، وناقضت مقتضيات الشهادتين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما الخلاف ذاته ، فقد حصل حال حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة. منها ما رواه البخاري ومسلم رضي الله عنهما في صحيحيهما ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه: (لما حُضِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي البيت رجال ، وفيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال: (هلمَّ أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده) ، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت ، فاختصموا ، فلما أكثروا اللغو ، قال صلى الله عليه وسلم: (قوموا). قال ابن عباس رضي الله عنه: إن الرَّزيَّة كل الرَّزيَّة ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، من اختلافهم ولغطهم). فتلك صورة من صور الخلاف حال حياته صلى الله عليه وسلم. وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام ، اختلفوا في الخليفة ، واختلفوا في قتال مانعي الزكاة ، واختلفوا في إمرة أسامة بن زيد رضي الله عنه على جيش العسرة ، وغير ذلك. كله حال حياة خليفة رسول الله أبي بكر رضي الله عنه. واختلف فقهاء الصحابة في مسائل كثيرة ، إلا أن ذلك الاختلاف لم يكن ليغير المودة ، أو يذكي الضغائن، ولم يكن ليذهب ريحهم ؛ فيحرموا النصرة على عدوهم ، قال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. فتلك الاختلافات فرعية ، ساروا بها في ذلك الصراط المستقيم ، ولم يطرقوا بها السبل التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم ، فكانوا على السنة أحرص ، وعلى الاتباع أحرى ، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

والنفوس إذا تعلقت بالله جل وعلا ، وأحبت له سبحانه ، وأبغضت فيه ، وأنكرت حظوظها ، وأهملت هواها ، وتذللت لقيوم السماوات والأرض بما شرع ؛ فإنها حينئذ لا تميل عن الإنصاف إلا لماما ، ولا تحيد عن الصراط المستقيم إلا ما شاء الله. فلا تحمل النفوس إلا ما يحمله هؤلاء الذين مدحهم الله عز وجل بقوله: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.

أما الجماعة التي حقٌّ على الله نصرها ، والتي لا يضرها من خذلها ولا من خالفها ، هي التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس). وهم الفرقة الناجية ، روى ابن ماجه عن عوف بن مالك رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، فواحدة في الجنة وسبعون في النار ، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة ، فإحدى وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة ، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة ، وثنتان وسبعون في النار) ، قيل: يارسول الله ، من هم؟ ، قال: (الجماعة). وفي لفظ لأبي داود وغيره ، قال: (ما أنا عليه وأصحابي). فالفرقة الناجية ، والجماعة المنصورة ، هم الذين أطاعوا الله ، ونصروا دينه ، واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم ، واستنوا بسنته ، وخلفائه الراشدين من بعده ، ولم يحدثوا في دين الله مالم يشرعه. يشهد لذلك ما رواه الإمام ابن القيم رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الجماعة ما وافق الحق ، وإن كنت وحدك.

أما من خالف الجماعة ، وخالف الحق ، فيُبَيَّن له ، ويُؤتسى في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وفعل أصحابه ، في الدعوة إلى الله. وأما تصنيف الدعاة ، ومن تبعهم ، وسبر نياتهم ومقاصدهم ، والوقيعة في أعراضهم باسم الديانة وحماية حمى السنة ، بدون علم ولا حجة ؛ فهو جهل ، وبهتان ، وفرية. قال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله في كتابه تصنيف الناس: إن كشف الأهواء , والبدع المضلة , ونقد المقالات المخالفة للكتاب , والسنة , وتعرية الدعاة إليها , وهجرهم وتحذير الناس منهم , وإقصائهم , والبراءة من فعلاتهم , سنة ماضية في تاريخ المسلمين في إطار أهل السنة , معتمدين شرطي النقد: العلم , وسلامة القصد . العلم بثبوت البينة الشرعية , والأدلة اليقينية ، على المدعى به في مواجهة أهل الهوى والبدعة , ودعاة الضلالة والفتنة , وإلا كان الناقد ممن يقفو ما ليس له به علم ؛ وهذا عين البهت والإثم. ويرون بالاتفاق أن هذا الواجب من تمام النصح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين , وعامتهم. وهذا شرط القصد لوجه الله تعالى , وإلا كان الناقد بمنزلة من يقاتل حمية ورياء. وهو من مدرك الشرك في القصد. اهـ. وما ذكر العلامة أبو زيد هو في حق كل مصنف.

أما أثر التصنيف على الأمة ، واجتماعها ، فيقول فيه العلامة أبو زيد: ومازالت ثائرة أهل الأهواء ، توظف هذه المكيدة -وهي التصنيف - في ثلب علماء الأمة . فقد لجوا في الحط على شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – لأنه عمدة في القرون المتأخرة لإحياء منهج السلف. ونشروا في العالم التشنيع على دعوة علماء السلف في قلب الجزيرة العربية بالرجوع إلى الوحيين الشريفين ، ونبزهم بشتى الألقاب للتنفير. وفي عصرنا الحاضر يأخذ الدور في هذه الفتنة دورته في مسلاخ من المنتسبين إلى السنة متلفعين بمرط ينسبونه إلى السلفية – ظلما لها – فنصبوا أنفسهم لرمي الدعاة بالتهم الفاجرة ، المبنية على الحجج الواهية ، واشتغلوا بضلالة التصنيف. وهذا بلاء عريض ، وفتنة مضلة في تقليص ظل الدين ، وتشتيت جماعته ، وزرع البغضاء بينهم ، وإسقاط حملته من أعين الرعية ، وما هنالك من العناد ، وجحد الحق تارة ، ورده أخرى. صدق الأئمة الهداة: إن رمي العلماء بالنقائص ، وتصنيفهم البائس من البينات على فتح باب الزندقة. ويا لله كم صدت هذه الفتنة العمياء عن الوقوف في وجه المد الإلحادي ، والمد الطرقي ، والعبث الأخلاقي ، وإعطاء الفرصة لهم في استباحة أخلاقيات العباد ، وتأجيج سبل الفساد والإفساد. إلى آخر ما تجره هذه المكيدة المهينة من جنايات على الدين ، وعلى علمائه ، وعلى الأمة ، وعلى ولاة أمرها. وبالجملة فهي فتنة مضلة ، والقائم بها مفتون ومنشق عن جماعة المسلمين. اهـ.

ويجري على هذا الطريق كل مُصنِّف بدون علم ، سواءً كان تصنيفه تصنيفًا لعلماء ودعاة ، أو كان لعامة أتباع ، إذ التصنيف بدون علم ، معول هدم ، ومذكاة فرقة. فبالتصنيف دون علم تضطرم نفوس المسلمين على بعضهم ، بخلافات لا تخرجهم عن الطائفة المنصورة ، أو لا تنزع عنهم ربقة الإسلام ، فلهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين ؛ فتأتي تلك الأقاويل البُهت بشر مستطير ، يبعث في النفوس تضليل المخالفين ، والإياس من أوبتهم ، وترك دعوتهم وبيان الحق لهم بالحسنى ؛ بل ربما بلغ الحال بهم أن أصبح الكافر غير المرتد أقرب إليهم من المسلم المخالف ، وأحرى عندهم لقبول الدعوة ، والارعواء عن الخطأ. فبذلك يفترق المسلمون ، وتذهب ريحهم ، وتنطفئ جذوتهم ، وتلين شوكتهم ؛ فلا يُنصروا ، ولا ينالوا عزة ولا تمكينا.

__________________

رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير.
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “من أمير المؤمنين هارون الرشيد ، إلى نقفور كلب الروم”

  1. وفي هذا الزمان ، بعث شاعرٌ برسالة إلى مخترع عقار الفياقرا ، يرجوه فيها صنع عقار يعيد لأمتنا الرجولة. فشتان بين عزِّ المسلمين زمن خلافة الرشيد ، وبين حالهم هذا الزمان. والحمد لله على كل حال.

    حقاً … أنا اقول اين الرجولة

    الان امتنا الاسلامية تبحث عن اخطاء هارون الرشيد وانه كان يحب الفتيات واخته التي اخطأت ويشيعون الاشاعات

    ولكن من هم

    تحياتي يا صديق

  2. اشكرك لزيارة مدونتي

    والتعليق فيها

    تحياتي لك ايها الانيق

  3. السلام عليكم

    كل عام و أنت بخير و إلى الله أقرب و إن شاء الله العام القادم حاج ، و أنا أيضاً أريد أن أجح ،

    كيفك قد أشتقت لك

    كنت قد شطبت مدونتي في أواخر أيام رمضان و أعادتها في أواخر شهر أوكتوبر

    وفقك الله أخي و حقق لك أحلامك و أغلى أمنياتك و كل طموحاتك آآآآآآآآآآآآمين

  4. جزاك الله خيرا على ادراجك المميز….كل عام وانت وامة الاسلام بخير.

    ………………………………………………………………………….

    زوروا مدونات :

    الطريق الى الفردوس http://doaa910.maktoobblog.com

    بيوت المؤمنين http://doaa9100.maktoobblog.com/

    جيل العزة http://doaa91000.maktoobblog.com/

    من اختكم ام عمر http://gehanezzat.maktoobblog.com/

    الطب بين يديك http://medicalnews.maktoobblog.com /

    عيادة العظام http://amged99.maktoobblog.com /

  5. بارك الله فيك

    شكرا لك اخي العزيز كلمات رائعة جدا

  6. lakhdar zenzoula

    كل عام وانت والامة الاسلامية بخير ..عيد سعيد مبارك .

  7. كل عام وانت بالف خير

    اعاده الله عليك بالخير وبالبركه



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر